سيد محمد طنطاوي

183

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الإمام ابن كثير : يقول اللَّه - تعالى - : * ( وما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ ) * أي : خزانها * ( إِلَّا مَلائِكَةً ) * أي : غلاظا شدادا . وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة . فقال أبو جهل : يا معشر قريش ، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم ؟ فقال اللَّه - تعالى - : * ( وما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ) * . أي : شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون . وقد قيل : إن أبا الأشد - واسمه : كلدة بن أسيد بن خلف - قال : يا معشر قريش ، اكفوني منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر ، إعجابا منه بنفسه ، وكان قد بلغ من القوة - فيما يزعمون - أنه كان يقف على جلد البقرة . ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه ، فيتمزق الجلد ، ولا يتزحزح عنه . . « 1 » . وقال الجمل في حاشيته : قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية * ( عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ) * . قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم ! محمد صلى اللَّه عليه وسلم يخبر أن خزنة النار تسعة عشر ، وأنتم الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ؟ . فقال أبو الأشد : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، عشرة على ظهري ، وسبعة على بطني . واكفوني أنتم اثنين . . فأنزل اللَّه - تعالى - : * ( وما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً . . ) * « 2 » . والمقصود من هذه الآية الكريمة الرد على المشركين ، الذين سخروا من النبي صلى اللَّه عليه وسلم عندما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر ملكا يتولون أمرها . . أي : إننا أوجدنا النار لعذاب الكافرين ، وما جعلنا خزنتها إلا من الملائكة الغلاظ الشداد ، الذين لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، والذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم أو مخالفة أمرهم ، لأنهم أشد بأسا ، وأقوى بطشا من كافة الإنس والجن . . والاستثناء من عموم الأنواع . أي : وما جعلنا أصحاب النار إلا من نوع الملائكة ، الذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم . .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 294 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 440 .